ابن عطية الأندلسي

86

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

فقال قوم : « الآيتان جميعا في جميع المؤمنين » . وقال آخرون : « هما في مؤمني أهل الكتاب » . وقال آخرون : « الآية الأولى في مؤمني العرب ، والثانية في مؤمني أهل الكتاب ، كعبد اللّه بن سلام ، وفيه نزلت » . قال القاضي أبو محمد : فمن جعل الآيتين في صنف واحد فإعراب وَالَّذِينَ خفض على العطف ، ويصح أن يكون رفعا على الاستئناف ، « أي وهم الذين » ومن جعل الآيتين في صنفين ، فإعراب « الذين » رفع على الابتداء ، وخبره أُولئِكَ عَلى هُدىً ويحتمل أن يكون عطفا . وقوله : بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني الكتب السالفة . وقرأ أبو حيوة ويزيد بن قطيب . « بما أنزل . . . وما أنزل » بفتح الهمزة فيهما خاصة . والفعل على هذا يحتمل أن يستند إلى اللّه تعالى ، ويحتمل إلى جبريل ، والأول أظهر وألزم . وَبِالْآخِرَةِ قيل معناه بالدار الآخرة ، وقيل بالنشأة الآخرة . و يُوقِنُونَ معناه يعلمون علما متمكنا في نفوسهم . واليقين أعلى درجات العلم ، وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه وقول مالك رحمه اللّه : « فيحلف على يقينه ثم يخرج الأمر على خلاف ذلك » تجوّز منه في العبارة على عرف تجوّز العرب ، ولم يقصد تحرير الكلام في اليقين . وقوله تعالى : أُولئِكَ إشارة إلى المذكورين ، و « أولاء » جمع « ذا » ، وهو مبني على الكسر لأنه ضعف لإبهامه عن قوة الأسماء ، وكان أصل البناء السكون فحرك لالتقاء الساكنين ، والكاف للخطاب ، و « الهدى » هنا الإرشاد . و أُولئِكَ الثاني ابتداء ، و الْمُفْلِحُونَ خبره ، و هُمُ فصل ، لأنه وقع بين معرفتين ويصح أن يكون هُمُ ابتداء ، و الْمُفْلِحُونَ خبره ، والجملة خبر أُولئِكَ ، والفلاح الظفر بالبغية وإدراك الأمل ومنه قول لبيد : [ الرمل ] . اعقلي إن كنت لمّا تعقلي * ولقد أفلح من كان عقل وقد وردت للعرب أشعار فيها الفلاح بمعنى البقاء ، كقوله : [ الطويل ] ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير وقول الأضبط : [ المنسرح ] لكلّ همّ من الهموم سعة * والصّبح والمسى لا فلاح معه والبقاء يعمه إدراك الأمل والظفر بالبغية ، إذ هو رأس ذلك وملاكه وحكى الخليل الفلاح على المعنيين . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 6 إلى 7 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 7 )